Tuesday, April 17, 2007

قومنة الماركسية

قومنة الماركسية

مثلما اكتشف دارون قوانين تطور الحياة الطبيعية على الأرض، اكتشف ماركس قوانين تطور الحياة الاجتماعية وذلك من خلال الإلتفات إلى حقيقة بديهية وهي أن إنسانية الإنسان تتحقق قبل كل شيء عن
طريق الإنتاج الذي هو عصب الحياة في المجتمع، أي مجتمع مهما كانت هويته أو قوميته. وبذلك يكون شرط الإنتاج سابقا لكل خصائص الإنسانية الأخرى كالقومية مثلاً، وسابقا لتشكل المجتمعات البشرية وتشكل الأمم. ولما كان الإنتاج بهذه الأهمية فقد أولاه ماركس كل اهتمامه طيلة حياته الغنية بالبحث والتحليل ليكتشف خلال ذلك قوانين تطور الإنتاج وأساليبه وتبعا له تطور الحياة الاجتماعية بكل جوانبها. لقد وجد ماركس أن تقدم المجتمعات البشرية يتحقق في خط مواز تماما لتطور وسائل الإنتاج وأن القانون العام لتطورها، تطور وسائل الإنتاج كما تطور سائر الأشياء الأخرى، يقوم على تطورات كمية بسيطة مستمرة وغير مدركة آنيا تتراكم لتصل إلى نقطة حرجة حيث يتعذر التقدم إلى ما بعدها قبل أن ينفجر التناقض الرئيسي داخل هذه الوسائل في ثورة عاصفة تطيح بكل الثوابت لتبرز من وسط أوارها وسائل جديدة مختلفة نوعا قادرة على استئناف مسيرة التقدم كما تقضي سنة الحياة. وتتشكل في موازاة ذلك مجتمعات جديدة تتهيكل وفقا لمقتضيات الوسائل الجديدة للإنتاج. هذه هي االماركسية في الشمال كما في الجنوب، في الشرق كما في الغرب. إنها نظرية علمية بدون قومية وبدون وطن، بدون هوية اجتماعية سواء كانت إقطاعية أم رأسمالية أم اشتراكية.
وبعد تحليل دقيق وشامل لوسائل الإنتاج الرأسمالية وجد ماركس أن النظام الرأسمالي نظام عالمي بخلاف كل الأنظمة السابقة له، لا ينمو ولا يعيش إلا إذا تيسر له مد أذرعه الطويلة خارج حدوده القومية ليطوي بها العالم كله وذلك بسبب فائض القيمة المتحقق قوميا والذي يجب تصديره إلى خارج الحدود، إلى البلدان التابعة، قبل أن يتراكم ويخنق النظام نفسه، مثله مثل الأجسام المضادة التي من شأنها أن تقتل البكتيريا التي أنتجتها أو أفرزتها. وهكذا يبدو واضحا بصورة جلية لا غبار عليها أن التناقض الأساسي في وسائل الإنتاج، بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بين العمال والرأسماليين، يعبر الحدود بصورة فائض الإنتاج المصدر ليأخذ صورة أخرى تتمثل بالتناقض بين شعوب البلدان التابعة والمستعمرة من جهة والاستعمار من جهة أخرى. الخطوط البارزة لهذه الصورة تبين بوضوح عالمية الرأسمالية وتبعا لذلك عالمية الصراع، تلك العالمية التي عبر عنها ماركس بندائه الشهير : يا عمال العالم اتحدوا
تناول ماركس ولينين للعالم كله كمسرح واحد يجري فوقه صراع واحد موحد بين العمال والرأسماليين، بين الشعوب والاستعمار، هذا التناول ليس رواية مسرحية أبدعها ماركس أو لينين، بل هو الوصف الدقيق والمباشر لواقع الحال ـ الرأسماليون يراكمون أرباحهم من خلال دفعهم لأجور أقل من قيمة العمل الموظف لديهم وبذلك يتوجب عليهم تصدير السلع التي تمثل الفرق بين مجمل الأجور من جهة وقيمة العمل من جهة أخرى إلى أسواق شعوب ليس لديها القدرة المستمرة على دفع تلك الفروق طالما أن كل ما لديها هو المواد الخام التي تعود عليها بفروق أخرى وبقيمة العمل المضاف، ناهيك عن أن رأسماليي المركز يستطيعون أن يفرضوا أسعار أجور عمالهم بصورة تمكنهم من المحافظة على استمرار علاقات الإنتاج الرأسمالية في الوطن أو المتروبول. هذه الحلقة الاستعمارية العالمية ليست من تصميم أحد بل إنها من طبيعة التكوين لبنى النظام الرأسمالي والاستجابة الإنسانية الايجابية لهذا النظام. لذلك فإن التحرر أو الإفلات من هذه الحلقة إن هو إلا ضرب من الأوهام طالما أن حلقة بديلة، حلقة عالمية ديموقراطية تتجه بتصميم ثوري إلى تنمية البلدان المتخلفة، لا وجود لها في عالم نهاية القرن العشرين وإطلالة القرن الحادي والعشرين. مثل هذه الحلقة الثورية الديموقراطية لا يمكن أن يصنعها أي مشروع تحرري نهضوي في أي بلد أو أكثر من بلدان المحيط كالبلدان العربية وذلك بسبب القدرة الكامنة المحدودة في هذه البلدان.
لم يتوصل الماركسيون إلى مثل هذه المفاهيم من خلال التحليل الدقيق للاقتصاد السياسي فقط بل إن الفلسفة الماركسية أيضا تصل بنا إلى نفس المفاهيم. فالقانون العام فيها يقول أن الأشياء تنحل وتتلاشى بانفجار التناقض الأساسي فيها في ثورة مدمرة والتناقض الأساسي في النظام الرأسمالي هو التناقض بين قـوى الإنتاج من جهة وعلاقات الإنتاج من جهة أخرى، بين العمال والرأسماليين. المهندس الذي درس النظام الرأسمالي الشامخ الراسخ دراسة مفصلة وعرف كيف يتم تدمـيره بلغم واحد في أضعف حـلقاته كان لينين، مهندس ثورة أكتوبر الاشـتراكية.
كان ضروريا الاستهلال بهذه المقدمة المختصرة قبل التعرض لمداخلة أحد الذين يدعون أنهم من " الماركسيين المجددين " والتي نشرها في إحدى الصحف المحلية تحت عنوان " الماركسية..فلسفة الثورة القومية البورجوازية ". المثقفون العرب لا تأخذهم العزة بالإثم، لكن عندما تأخـذهم العزة يأثمون. يأثمون وهم يتحدثون عن دولة قومية عربية في عصر الخلافة الأموية، يأثمون وهم يتحدثون عن دولة القومية العربية في عصر الخلافة االعباسية. أخونا الماركسي المجدد أخذته العزة.. " بدولة السوق القومية القائمة على المؤسسات والحق والحق العام والبنية القادرة على إنتاج وإعادة إنتاج الديموقراطية البورجوازية " فأثم إثمين غليظين ـ أثم باستغبائه لينين وأثم باستخطائه ماركس. استغبى لينين حين زعم أن مسؤولية فشل التجربة السوفياتية تقع على.. " القراءة الملتبسة للاشتراكية وإمكانية نجاحها عبر كسر الحلقة الضعيفة وبقية الأوهام ( !! ) التي رافقتها "، واستخطأ ماركس حين أعلن أن الماركسية ليست فلسفة " دكتاتورية البروليتاريا الموهومة ". لن تعيقنا هذه الآثام الاستفزازية والتي سنتعرض لها فيما بعد عن التعامل مباشرة مع مشروع أخينا الماركسي المجدد، مشروع " الثورة القومية البورجوازية " الذي أقامه على قاعدة ما أسماه ب " الضرورة القومية " خاصة وأنه اقترف آثاما غليظة من أجله.
يوافق أخونا على أن ما أسماه ب " الضرورة القومية " هو تحديدا حاجة البورجوازية المتطورة نحو الرأسمالية إلى سوق قادرة على تصريف منتوجاتها. هذا يعني أن تطور الرأسمالية الوطنية في أقطارها العربية المختلفة بلغ حدا تضيق به هذه الأقطار. فهل هذا هو ما لدينا اليوم؟! الجـواب بالطبع هو النفي التام بل العكس تماما هو الصحـيح. فالنشوء والارتقاء العضويان الطبيعيان للرأسمالية الوطنية العربية ـ وغير العربية في البلدان الموازية ـ كانا قد توقفا في سبيعينيات القرن العشرين حين بدت علائم الانهيار واضحة على المعسكر الاشتراكي وتلا ذلك بالطبع الذبول والتلاشي. بل لقد جرى ذلك في البلدان العربية بصورة دراماتيكية مجلجلة. جميعنا يتذكر تسليم أنور السادات، وارث المشروع الناصري، جميع أوراقه إلى الإمبريالية الأمريكية. البورجوازيات في العالم العربي وفي دول العالم الثالث عموما باعت ثوراتها إلى الإمبريالية وقبضت ثمنها من صندوق النقد الدولي فتحولت بذلك إلى كومـبرادور وضيع مطواع لا يلوي حراكا بل يشد بكل عزيمته على الروابط مع السوق الدولية أو سوق التجارة الحرة كما في أبجديات منظمة التجارة العالمية ( WTO ). اليـوم وبعد انهيار معسكر الثورة الوطنية في السبعينيات ثم انهيار معسكر الثورة الاشتراكية في الثمانينيات لم يعد بوسع أحد حتى مجرد الحديث عن ثورة قومية أو حتى وطنية. أما أصداء الماضي التي ما زال البعض من السياسيين قصيري النظر يصر على ترديدها فإنها وكما نرى على أرض الواقـع لا تجد أذانا صاغية ويعرض عنها العامة بعفوية صادقة. ومع كل ذلـك فما زلنا نجد من يصفون أنفسهم ب " الماركسيين المجددين " يتحدثون عن " ثورة قومية " !!
أما إذا تعدت " الضرورة القومية " مفهوم السوق وقاربت مفاهيم المثقفين القوميين عن الوحدة العربية فيلزم التأكيد هنا على أن الوحدة ليست ضرورة قومية طالما أنها خارج حسابات السوق وضروراته وأقوى دليل على ذلك هو أن التناظر الاقتصادي بين الدول العربية هو أكبر عقبة الآن أمام تنفيذ أي مشروع سياسي وحدوي. وما فشل الوحدة المصرية السورية إلا بسبب ذلك. أما إدعاء المثقفين والساسة القوميين بأن العرب كانوا أمة واحدة متحدة إلى أن جاء الاستعمار الحديث وقسمهم فإنما هو شهادة زور يتبرع بها البعض لصالح الحكم الأسود البغيض الذي أذل العرب لعدة قرون حكمها المماليك والعثمانيون. لم يكن يوحد العرب خلال تلك القرون الطويلة السوداء سوى البطش والقمع العرقي العنصري. الدولة التي كانتها الدولة المملوكية والدولة العثمانية هي الدولة البطريركية الريعية. والصورة البشعة لهذه الدولة تقول أن الحكم الأوتوقراطي فيها ينحصر في عرق معين أو الأحرى في عائلة محددة. وأن علاقة الدولة بمواطنيها من خارج جلدتها تنحصر في أمرين فقط ـ دفع الضرائب وحتى الأتاوات بغير حساب، ثم التجنيد في الحروب التي لا تنتهي بحكم عدوانية الدولة. يستحيل من خلال هذه الصورة البشعة تصور الشعوب العربية في ظل العثمانيين أو المماليك تقيم تواصلا من أي نوع سواء كان اقتصادياً أم ثقافياً أم سياسياً. الدولة الريعية تمتص ريع العملية الانتاجية من الأطراف إلى المركز حيث يستهلك كله ولا يعود أي جزء منه وبأية صورة إلى أي طرف من الأطراف. من هنا علينا أن ندرك استحالة وجود أي رابط ايجابي يربط الطرف بالمركز بل العكس هو الصحيح حيث يرفض الطرف ارتباطه بالمركز. في مثل هذه العلاقات فقط كان يمكن للدولة الريعية أن تبسط حـدودها إلى ما هـو أبعد من الوجـود القومي. كانت حـدودها تتجاوز حدود القوميات والأجناس.
دول الخلافـة الراشدة ثم الأموية ثم العباسية كانت أيضا دولا ريعية. أساس الخلافة الراشدة الذي وضع في " سقيفة بني ساعدة " نص بكل صراحة على أن.. " الخلافة في قريش ". قبائـل قريش هي التي تحـكم وليس أي قبيلة عربية أخرى. ولنا أن نذكر هنا أن قريش هي العائلة التي وقفت بقوة ضد الدعوة للإسلام بخلاف أهل المدينة من الأوس والخزرج الذين انتصر الإسلام بهم ورغم ذلك طردهم القرشيون من السقيفة. لم تعمر الخلافة الراشدة لثلاثة عقود حتى انتقل الحكم إلى بني أمية الذين بالتالي افترسهم بنو عباس. كيف يمكن أن توصف مثل هذه الصورة العرقية القبلية أنها صورة قومية من قريب أو بعيد؟ انتهت دولة بني العباس إلى دول عرقية مختلفة ـ دولة للبويهيين وأخرى للسلاجقة وثالثة للفاطميين ورابعة للحمدانيين.. دول بأسماء قبائل ! بل ما زال بعض الدول العربية يعرف رسميا حتى يومنا هذا بأسماء قبائل كالهاشميين والسعوديين والبعض الآخر يعرف فعليا بأسماء العائلات الحاكمة. لم يتقدم العرب أبداً إلى مرحلة الدولة القومية. يستطيع من لا يزال يشك بقومية دولة الخلافة أن يعود إلى تفاصيل توزيع الريع على عائلـة الخـليفة ليتأكد نهائيا بأن أي شعور قومي لم يكن واردا إطلاقا في تلـك الكيانات.
أمام هذه الحقائق التاريخية التي لا سبيل إلى إنكارها يمكن القول بكل ثقة أن العرب في القرن العشرين أمسوا أقرب إلى الوحدة منهم إليها في أي وقت مضى. لقد برزت " الضرورة القومية " على سطح التاريخ العربي كله مرة واحدة ووحيدة وكان ذلك حين أعلنت البورجوازية الشامية ثورتها القومية في المشرق العربي فقط وسلمت قيادة الثورة إلى الشريف حسين بن علي. ولأن هذه الثورة هي الثورة القومية الوحيدة التي قام بها العرب فقد سموها بحق " الثورة العربية الكبرى " بالرغم من أن مشروعها استثنى كلا من مصر والسودان وشمال أفريقيا الأمر الذي يقطع بالتأكيد أن الروح القومية لم تكن حتى مطلع القرن العشرين قد اكتملت بعد. البورجوازية الشامية الرثة لم تستطع حماية ثورتها مع أن قائدها الشريف حسين دافع عنها بكل بطولة وتضحية.
بعد سايكس ـ بيكو وخضوع البلدان العربية إلى الاستعمار الأنجلو ـ فرنسي ممثلا بمركزي الرأسمالية الأقوى آنذاك، لندن وباريس، قامت في البلدان العربية اقتصادات مستقلة عن بعضها البعض بسبب ارتباطها محوريا بالمركز الرأسمالي الاستعماري. وهذا يعني أن الاقتصادات العر بية قامت أصلا كأنصاف حلقات يستحيل أن يكمل النصف منها أي نصف آخر حيث أن الأنصاف المكملة لها قائمة في مراكز الدول الرأسمالية الامبريالية. ولذلك تأسست الاقتصادات العربية جميعها على الصناعات التعدينية والصناعات التكميلية وطبيعة هاتين الصناعتين هي الاعتماد على إنتاج المركز الإمبريالي وعدم القدرة على الاستقلال. في مثل هذه الحالة من العولمة، أي عالمية عملية الإنتاج الرأسمالي، ينتفي نهائيا ما يمكن أن يسمى ب " الضرورة القومية ".
صحيح أن عبدالناصر تحدث في بدايات الثورة المصرية عن مجال حيوي لمصر في البلدان العربية ـ ولو أنه ساوى ما بين البلدان العربية والبلدان الإقريقية غير العربية ـ لكنه سرعان ما اكتشف أن هذا مجرد أوهام خاصة بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 وهو نفس العام الذي أصدر فيه عبدالناصر المراسيم الاشتراكية وميثاق الاتحاد الاشتراكي حيث بدا واضحا أن الهم الناصري قد انعطف نحو الثورة الاجتماعية والتنمية الشاملة للمجتمع المصري اعتمادا على القوى الحقيقية للانتاج وهي العمال والفلاحون والرأسمالية الوطنية وأن وهـم ضغط الإنـتاج الرأسـمالي المصري على السوق المحلية ومعه وهم المجالات الحيوية قد انقشعا تماما.
إدراك كنه " الضرورة القومية " يقتضينا العودة إلى التاريخ. لقد قدم التاريخ " الضرورة القومية " كحالة تتهيأ حال اجتياز البورجوازية النامية عتبة النظام الرأسمالي المكتمل. واليوم وبعد سيادة قانون " القطيعة الرأسمالية " في العالم كله واستحالة تطور أي بلد غير رأسمالي إلى رأسمالي مكتمل فإن صفحـة " الضرورة القومية " قد طويت تماما في سجل التاريخ، والتاريخ بالطبع لا يعود إلى الوراء. أما أولئك القوميون الذين يعتقدون أن الفعل القومي يظل ثابتا في التاريخ كما يبدو عليه الحال مع الجنس واللغة والدين ـ علما بأن هذه العناصر للهوية القومية ليست ثابتة أبدا كما تبدو في الظاهر ـ فعليهم أن يعتبروا من بريطانيا والولايات المتحدة وكندا واستراليا حيث شعوب هذه البلدان تنحدر من عرق واحد بصورة عامة وتتكلم ذات اللغة وهي الانجليزية وتدين بدين واحد وهو البروتستانتية الأنجليكانية، إلا أنها مع ذلك ترفض رفضا باتا الإنخراط في قومية واحدة وتظل أفعالها القومية متضادة.
أخونا الماركسي المجدد رأى في اقتراف تجـاوزات عديدة لما يـعتبره حتى رفاقه خطوطا حـمراء إنما هو انتصار مستحق لمشروع " الثورة القومية البورجوازية ". لقد وصل به الأمر إلى أن يستغبي لينين ويخطىء ماركس.
يرى ماركس أن الطبقة الوسطى من فلاحين وصناع وحرفيين ـ ويضيف إليهم إنجلز المثقفين ـ هي رجعية بحكم طبيعة أساليب إنتاجها. إنها تبدأ بالوقوف في وجه البورجوازية الكبيرة المتطورة نحو الرأسمالية المكتملة وذلك دفاعا عن تقسيم العمل الذي يكرس لها انتماءها الطبقي، وتنتهي بالوقوف في وجه الطبقة العاملة المتطورة نحو الشيوعية ولذات السبب. فما إن بدت علائم الانهيار على المعسكر الاشتراكي حتى تدافع المثقفون المتمركسون مستلين خناجرهم لإعمالها في جسد الماركسية بحجة تجديدها أو تحديثها أو أحيانا أنسنتها يساعدهم على ذلك أن العالم لم يدرك بعد أن الانهيار الاشتراكي كان من صناعتهم وحدهم دون سواهم. هم الذين اغتالوا الاشتراكية وهم الذين يتدافعون اليوم لإجراء عمليات الإنقاذ للاشتراكية ـ بهدف الإجهاز عليها في غرفة العمليات ! أي نفاق هذا؟! إنهم الأدهى مناورة في حـربهم دفاعا عن تقسيم العمل.
وهكذا يذيع أخونا الماركسي المجدد بيانه الثوري للعالم يعلن فيه ( غباء ) لينين و ( خطأ ) ماركس. فلينين كما يفاجئنا إعلانه لم يكن على مستوى فهم ماركس والتبست عليه قراءة الماركسية (كذا!) حتى توهم أن كسر السلسلة الرأسمالية العالمية في أضعف حلقاتها يمكن أن يكون انطلاقة الثورة الاشتراكية العالمية. فكانت ثورة أكتوبر 1917 قي روسيا التي، كما أعلن، لم تستطع أن توفر شروطا تتجاوز الشروط التي توفرها الحلقات الرأسمالية المتطورة ـ معللا أن الإيديولوجيا لا تحل محل الآليات ( وهو الكلام الحق لكن في غير محله ). وهو لذلك يتمنى لو لم يؤيد الاشتراكيون لينين والبلاشفة بل كاوتسكي والمناشفة ـ إن أمنيته ليست في محلها فعامة الاشتراكيين الأوروبيين لم يؤيدوا لينين والبلاشفة بل كاوتسكي والمناشفة ولا عجب فهؤلاء قومنوا الماركسية مثله وأيدوا الاشتراك في الحرب العالمية الأولى لإعادة تقسيم المستعمرات ـ ثم تمنى أخيرا لو أن ثورة أكتوبر لم تقم أصلا ! ! ـ ولعل أخانا لم يفطن هنا إلى أن دهاقنة الإمبريالية وزعماء النازية والفاشية كانوا بالطبع قد شاركوه في هذه الأمنية

قومنة الماركسية .....الماركسية في الجنوب

الماركسية في الجنوب، في أطراف الإمبريالية
ظل شهيد الفكر الماركسي الدكتور مهدي عامل قبل أن يغتاله حزب الله بأمر من الخميني نفسه عام 1987، ظل مهموماً بشدة في إشكاليةٍ طرحها عليه بعض القوميين البورجوازيين المعجبين بالفكر
الماركسي وقد بذلوا جهوداً كبيرة في تحريف الماركسية وإقحامها على الحركة القومية. وتتمثل الإشكالية في عدم التجانس بين مهدي عامل الملتصق بالماركسية التصاقاً حميمياً من جهة، ومهدي عامل المناضل من أجل المشروع القومي النهضوي من جهة أخرى. كان مهدي عامل يعلم تماماً أن ما عنيَ به كارل ماركس طيلة حياته هو تشريح نظام الإنتاج الرأسمالي، الذي يقوم أساساً على الإستغلال الوحشي للعمال، واكتشاف تناقضاته الرئيسية القاتلة التي يمكن توظيفها في تفكيك هذا النظام واستبداله بنظام آخر أكثر عدلاً وإنسانية. وفي مثل هذا الإطار بدا ماركس الحقيقي ينزع كل شرعية من ماركسية الشيوعي المناضل من أجل التحرر الوطني.
من هنا انطلق مهدي عامل يتفحص جدارة (!!) الماركسية في أن تكون إيديولوجية الشيوعي المناضل الوطني وفاته أن يتفحص جدارة الشيوعي المناضل الوطني لأن يكون ماركسياً. لكنه وقبل أن يهمّ بالشروع في البحث عن جدارة الماركسية طمأن رفاقه الماركسيين بأنه لن ينحرف بالماركسية تحت أية شروط طارئة. تعهد بذلك لكن دون تقديم أية ضمانات!! إذ ليس من أحدٍ غير بناة الماركسية الأوائل، ماركس وإنجلز تحديداً، يستطيع أن يقدم أية ضمانات في عدم الإنحراف بالماركسية. حتى لينين وهو المتفقه الأكبر في الماركسية تم الطعن فيه منحرفاً من قبل إبي الماركسية في روسيا جيورجي بليخانوف وزعماء الأممية الثانية ومنهم كارل كاوتسكي.
إننا ونحن ما زلنا نحس بحرارة دم الشهيد مهدي عامل ونحيي ذكراه في مواجهة القوى الظلامية المتسربلة بأردية الألوهية وبطقوس طواطمها. إننا نحسب أننا إنما نخدم الهدف الأكبر للشهيد، وهو البحث في " جدارة الماركسية "، من خلال مراجعة اجتهاداته. ولنا أن نشير هنا إلى أننا إنما نبعث الشهيد إلى الحياة من جديد بقيامنا بهذه المراجعة حتى وهي تعارض استخلاصات شهيد الفكر الماركسي.
التصق رفيقنا مهدي عامل بحضن أمه الماركسية إلتصاقاً حميمياً لا يقبل الإنفصال. وكان أن ابتعد بأمّه إلى غير مرابعها وراح بها إلى الإمبراطوريات البطريركية القديمة التي اقتصرت مواردها على ما تنهبه من البلدان الخاضعة لها. النهب الذي مارسته مراكز الإمبراطوريات البطريركية الفارسية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والعربية والمملوكية والعثمانية، هو ما يمكن تسميته مجازاً بالاقتصاد الكولونيالي. كان لينين قد استعمل مجازاً تعبير " الكولونيالي" في الحديث عن خصائص الإنتاج في البلد الطرف التابع للمركز الرأسمالي الإمبريالي، لكن يستحسن هنا أن نفارق بين الكولونيالية التي اتصفت بها الإمبراطوريات البطريركية القديمة وبين الإمبريالية التي هي من طبيعة " الإمبراطوريات " الرأسمالية الإستعمارية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية حديثاً وذلك ليس من أجل تحريم استخدام تعبير "الكولونيالي" في بحث مهدي عامل بل من أجل احتفاظ مقاربتنا بالدقة العلمية والإضاءة الكافية حتى الوصول إلى نتائج ملموسة وواضحة.
كان مركز الإمبراطورية البطريركية القديمة لا ينتج أي شيء غير العسكرة التي هي المنتوج الوحيد الذي يؤهل صاحبه وهو المركز الإمبراطوري من نهب البلدان الأطراف. والإقتصاد الإمبراطوري، إن صحت التسمية، يقوم شكلاً، وشكلاً فقط، على مبادلة الأمن مقابل الضرائب والأتاوات التي يجبيها المركز من شعوب الأطراف. كما يبعث المركز إلى الطرف ليس العسكر والجندرما فقط بل وموظفيه يحتلون المراكز الإدارية بمختلف درجاتها ومجموعات بشرية تحتل أراضي زراعية ودساكر يتوفر لها أفضل الخدمات.
أما الإقتصاد الرأسمالي الإمبريالي فمختلف كل الإختلاف حيث أن التبادل بين المراكز والأطراف يجري سلعاً مقابل سلع، منتوجات صناعية مقابل مواد خام، أو هو في الجوهر سلع فيها الكثير من العمل البشري والقليل من المواد الخام مقابل سلع فيها القليل من العمل البشري والكثير من المواد الخام. ولو فرضنا أن سبع وحدات سلعية من المركز تم مبادلتها بسبع وحدات سلعية من الطرف لكان ست وحدات من المركز هي عمل بشري مقابل وحدة واحدة من العمل البشري من الطرف والعكس بالعكس بالنسبة إلى المواد الخام. صحيح أن المراكز الرأسمالية الإمبريالية تنتج أمناً أيضاً لكنها تتبرع بالأمن دون مقابل للأطراف فلا هي تجبي ضرائب أو تفرض أتاوات، ولو أن أمنها ينتهي بالتالي إلى إخضاع دورة الإنتاج لشروط تصب في صالح المركز.
البلد الطرف الكولونيالي (colonized)، فيما يسمى مجازاً بالإقتصاد الكولونيالي، كانت تتم فيه كامل دورة الإنتاج، إنتاجاً وتوزيعاً واستهلاكاً، دون أدنى مساهمة من المركز الكولونيالي باستثناء نهب جزء غير قليل من الإنتاج مما يعيق تطور الإنتاج وتقدم وسائل الإنتاج والطبقات المنتجة. أما البلد الطرف الإمبريالي (imperialized) فأمره مختلف تماماً حيث لا تتم فيه دورة الإنتاج. يتم فيه إنتاج المواد الخام الفاقدة لكل قيمة استعمالية (Use Value) قبل وصولها إلى المركز الإمبريالي حيث يتم تصنيعها وإعادة تصديرها إلى الطرف سلعاً ذات قيمة استعمالية وقيمة تبادلية (Exchange Value) تبعاً لذلك. نتمثل في هذا السياق المملكة العربية السعودية التي تنتج يومياً ما يقارب العشرة ملايين برميلاً من النفط، فلو بقيت هذه الكميات الهائلة من النفط في المملكة ولم يتم تصديرها حال إنتاجها فما عسى أن تكون قيمتها إذّاك؟ لا شيء بل ستعود بالضرر على الشعب. وذات الشيء كان ينطبق على القطن المصري في خمسينيات القرن الماضي حين عمدت بريطانيا إلى وقف استيراد القطن المصري كإجراء عقابي لمصر بإدارة عبد الناصر.
وهكذا فإننا أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها وهي أن الأطراف لا تستطيع أن تنفصل عن المراكز الرأسمالية وتستغني مرة واحدة عن كامل عائدات صناعاتها الإستخراجية التي تشكل الحصة الكبرى في مجمل إنتاجها القومي بعكس الأطراف الكولونيالية التي كان بإمكانها أن تستقل تماماً لولا تسلط المركز العسكري. لم يكن بإمكان الهند أن تستقل عن بريطانيا أو الصين عن بريطانيا وعن اليابان قبل عام 1946 وهما من حيث المساحة أو من حيث السكان تساويان عشرة أضعاف المركز المتروبول. ما يجب ألاّ يغيب عن بال وفكر أصحاب النظريات السياسية والإيديولوجيات المختلفة هو أن وسائل الإنتاج العرجاء في الأطراف الإمبريالية لا تسمح إطلاقاً لهذه الأطراف بالانفصال والاستقلال بعيداً عن الهيمنة العسكرية.
ست خلايا رأسمالية إمبريالية كبرى كانت تسيطر على أكثر من 60% من مساحة العالم لدى نشوب الحرب العالمية الأولى 1914 من أجل إعادة تقسيم المستعمرات خلية لها نواة وهي المركز ويحيط بها بروتوبلازم وهو الأطراف وهي بالتسلسل : بريطانيا، روسيا، فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة واليابان، هذا بالإضافة إلى عدد من الخلايا الصغرى كهولندا وبلجيكا تستولي على 10%. أما ما تبقى من العالم وهو زهاء 30% فقد ضمّ بلداناً تابعة لكن بصورة غير مباشرة.
جابه كارل ماركس وفريدريك إنجلز مثل هذه الحالة البائسة، اختطاف شعوب العالم جميعها إلى مطحنة الإستغلال الرأسمالي البشع، بإطلاق ندائهما الشهير عام 1847.. " يا عمال العالم اتحدوا فليس لكم ما تفقدون إلا أغلالكم " ؛ دعوا عمال العالم إلى التعاون في القيام بثورة إشتراكية عالمية تضع حداً لنظام الإنتاج الرأسمالي بكل تداعياته. ومن أجل القيام بهذه الثورة شكّل ماركس الأممية الأولى عام 1864 لكن سقوط كومونة باريس عام 1871 أكّد لماركس أن البروليتاريا العالمية وفي مقدمتها البروليتاريا الفرنسية لم تكن بمستوى الثورة الإشتراكية المطلوبة فكان أن قام بحل الأممية عام 1874 ولم يعد إلى تبني وسيلة أخرى للثورة حتى رحيله عام 1883. في العام 1889 قام فريدريك إنجلز بتشكيل الأممية الثانية لتضم أحزاباً إشتراكية مستقلة في البلدان الرأسمالية المتطورة. ظل ماركس وإنجلز يريان الثورة الإشتراكية ثورة عالمية تقوم في نفس الوقت وفي مختلف البلدان المتطورة. وتنطوي هذه الرؤية على أن البلدان المستعمرة والتابعة سوف تتحرر تلقائياً فور نجاح الثورة الإشتراكية العالمية في المراكز دون أن تحرك ساكناً.
من بين أحزاب الأممية الثانية برز فلاديمير لينين يتقدم في مسألة الثورة واقترح على أحزاب الأممية الثانية الإشتراكية عام 1913 تحويل جبهات القتال في الحرب الوشيكة الوقوع إلى ثورة بحيث تقوم الأحزاب الإشتراكية إلى استلام السلطة ووقف الحرب والانسحاب منها. غير أن مجمل الأحزاب رفضت الإقتراح وجنحت إلى الإشتراك في الحرب ؛ وتقاتل الإشتراكيون وقتل بعضهم بعضاً. تقدم لينين أكثر باتجاه الثورة ورأى أن تفكيك النظام الرأسمالي العالمي يمكن أن يبدأ من أضعف حلقاته وأن عوامل الثورة لا تتأتى فقط من التناقض الرئيس في النظام، تناقض الرأسماليين / البروليتاريا، بل ومن تناقضين آخرين وهما تناقض المركز الإمبريالي مع البلدان التابعة والمستعمرة، وتناقض المركز الإمبريالي مع المركز الإمبريالي الآخر المنافس.
لقد أثبت التاريخ صحة نظرية لينين في الثورة فقد نجحت الثورة في روسيا القيصرية وهي أضعف حلقة في السلسلة الرأسمالية الإمبريالية وتم ذلك خلال الحرب في أكتوبر 1917 حين انتفض البلاشفة واستلموا السلطة وانسحبوا من الحرب ؛ كما تم ذلك من خلال التناقض بين طرفي الإمبريالية المتحاربين، ألمانيا وبريطانيا. ومن خلال التناقض بين الإمبراطوريتين الإمبرياليتين، بريطانيا وفرنسا، مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية تقدمت الثورة الإشتراكية في أوروبا الشرقية والصين وبرزت الدولة السوفياتية كأقوى قوة في الأرض عام 1945 مما سمح لثورة التحرر الوطني أن تنطلق على المستوى العالمي. ومن خلال تطوير التناقض بين مراكز الإمبريالية في واشنطن ولندن وباريس من جهة والبلدان المستعمرة والتابعة لهذه المراكز وقيام شعوبها بثورة التحرر الوطني العالمية 1946 1972 من جهة أخرى، انهار النظام الرأسمالي العالمي في مراكزه الكلاسيكية في منتصف السبعينيات وما بعد دون أن تنتقل هذه المراكز إلى مرحلة الإشتراكية لأسباب ليست من موضوعنا.
ماركسية القرن العشرين ومنذ مطلعه تمثلت بالقراءة اللينينية لماركس. كان قد أضحى تفكيك النظام الرأسمالي العالمي يتم بفعل الصراع المحتدم في التناقضات الكبرى الثلاثة المشار إليها أعلاه. إنطلاقاً من هذه القراءة اللينينية المكملة لقراءة ماركس وليس المختلفة معها قامت أحزاب الأممية الثالثة (Comintern)، الأحزاب الشيوعية ليس في البلدان المتطورة فقط حيث أوكل إليها تطوير التناقض رأسماليون / بروليتاريا، بل أيضاً في البلدان الأطراف المستعمرة والتابعة ليوكل إليها تطوير التناقض المركز / الطرف. وظيفة الأحزاب الشيوعية في الأطراف الأولى والأخيرة هي فك الروابط مع مراكز الرأسمالية الإمبريالية، وهي ذات المهمة التي تقوم بها الأحزاب البورجوازية، وليس الإنتقال إلى الإشتراكية. الإشتراكية في الأطراف ستورّد إليها من خارجها وليست من صناعة أحزابها الشيوعية.
لم يكن وارداً في ذهن كل من ماركس وإنجلز أن نداءهما " يا عمال العالم اتحدوا " موجه في حال من الأحوال إلى شعوب البلدان المستعمرة والتابعة وذلك بكل بساطة لأن وسائل الإنتاج في هذه البلدان لم تكن متطورة ولم تكن وسائل رأسمالية تستخدم طبقة عاملة بروليتارية. نداؤهما للثورة البروليتارية انطوي على إفتراض مسبق يقول أن الإشتراكية ستصل البلدان المستعمرة والتابعة من المراكز أي أنها سترد إليها من خارجها. لم يضف لينين أية إضافة إلى هذا الإفتراض الصحيح.
الإقتصاد الرأسمالي نشأ بداية في البلدان المتقدمة لكنه ما كان ليتطور ويعمّر لأكثر من مائة عام أو نحو ذلك إلاّ بطرح فائض إنتاجه فيما وراء الحدود أي في إلحاق بلدان أخرى إلى المركز. ما كان نظام الإنتاج الرأسمالي ليتطور إلا على طريق الإمبريالية. اقتصاد الطرف هو إقتصاد ملحق باقتصاد المركز وهو ليس إقتصاداً رأسمالياً بحال من الأحوال طالما أنه لا يرتكز على ذاته ولا ينتج إحتياجات شعبه. وطالما أن الإشتراكية هي الوليد للأم الرأسمالية فقط فليس من المنتظر رؤية الإشتراكية واقفة على عتبة الدولة الطرفية التابعة بغض النظر عن حجمها. الشغيلة في البلدان التابعة ليسوا من البروليتاريا وشغلهم يحتفظ بالروح البورجوازية حيث هو أقرب إلى الشغل بالقطعة كما تنحو الصناعات الإستخراجية.
الأحزاب الشيوعية في أطراف الإمبريالية وبسبب الغياب التام للبروليتاريا، بتعريفها الماركسي الدقيق، من هذه البلدان فقد تشكلت بصورة رئيسية من البورجوازية الوضيعة غير الأمينة بطبيعتها على تقدم الثورة الإشتراكية. إنها لذلك تفتقد الشرعية الوطنية طالما أن الإشتراكية لا يمكن ولا يجوز أن تكون على أجندة وطنها. إنها تستمد شرعيتها من مشروع لينين، مشروع تفكيك النظام الرأسمالي بدءاً من أضعف حلقاته من موسكو، حيث تم وضع قانونها الأساسي في الإجتماع التأسيسي الأول للأممية الثالثة عام 1919. قيام الأحزاب الشيوعية في البلدان المستعمرة والتابعة لم يتأتَ من مفاعيل قوى الإنتاج الوطنية. أن التنمية الإشتراكية في البلدان الطرفية لا بدّ وأن تستورد من خارجها، من مركز الثورة، إذ ليس من عوامل إقتصادية داخل الأطراف تدفع باتجاه التقدم الإشتراكي. لقد ساهمت الأحزاب الشيوعية في حركة التحرر الوطني ليس لأن شغيلة الأطراف ذوو مصالح حقيقية مباشرة في التحرر والإستقلال بل لأن المشروع اللينيني إقتضى ذلك فكانت مساهمتها من باب التعاون في تفكيك الرأسمالية الإمبريالية لا أكثر ولا أقل. وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن التنمية الرأسمالية الوطنية المستقلة من شأنها أن تعتصر من دماء الشغيلة أكثر بكثير مما تعتصر الإمبريالية. أضف إلى ذلك أن الصناعات الإستخراجية بمجملها ستنتهي تماماً في حالة الإستقلال وهو ما يودي بالعاملين في هذه الصناعات إلى البطالة الكليّة والتامة.
البورجوازية الكبيرة هي الطبقة ذات المصلحة الحقيقية في الإستقلال وفك الروابط مع المتروبول ؛ ولذلك رأيناها تقود حركات التحرر الوطني في مختلف أطراف الإمبريالية. وبالمقابل فإن انتفاء أية مصالح حقيقية مباشرة سواء للشغيلة أم للبورجوازية الوضيعة في حركة التحرر والإستقلال امتنع بالطبيعة على الأحزاب الشيوعية قيادة حركات التحرر الوطني. لو كانت شرعية الأحزاب الشيوعية في الأطراف هي شرعية وطنية لما رأيناها تمتنع عن تأجيج الصراع الطبقي داخل الوطن إبّان ثورة التحرر الوطني. البورجوازية الكبيرة قادت حركات التحرر الوطني ليس لأنها أكثر قدرة وإمكانيات من طبقة الشغيلة ومن البورجوازية الوضيعة فقط بل ولأنها أيضاً صاحبة المصلحة الحقيقية المباشرة في التحرر والإستقلال. وهكذا فإن بورجوازيات الأطراف وخلال ثورة التحرر الوطني 1946 1972 كانت أكثر نفعاً ودفعاً لمشروع لينين في تفكيك النظام الرأسمالي العالمي من شيوعيي الأطراف بل وحتى من شيوعيي المركز، موسكو، بعد رحيل ستالين. دخل كاسترو هافانا عام 1959 ولم يكن شيوعياً آنذاك وكان أن إعتقل قادة الحزب الشيوعي لأنهم لم يكونوا حقاً شيوعيين! وتقدم عبد الناصر نحو الإشتراكية بغير مساعدة الشيوعيين المصريين ؛ وكذلك فعل قادة جبهة التحرير الجزائرية. بل إن " شيوعيي " المركز المرتدين من خلفاء خروتشوف هم الذين شجعوا الهواري بومدين للإنقلاب على الرئيس أحمد بن بللا في العام 1965 بعد أن أعلن هذا الأخير التزامه بالإشتراكية الماركسية ؛ وهم الذين شجعوا حافظ الأسد للإتقلاب على رفاقه اليساريين في القيادة عام 1970 بعد أن أعلنوا التزامهم بالإشتراكية العلمية. حدث هذا بينما كان الشيوعيون في الجزائر وفي سوريا يؤكدون ولاءهم للمرتدين في موسكو من أيتام خروتشوف.
المأخوذون بالمشاعر القومية يتحسسون جداً من فكرة إستيراد النظام السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي من خارج الوطن. وهم ليسوا ملومين كثيراً على ذلك بعد أن عرفوا ما عانته شعوبهم جراء إستيراد النظام السياسي من المركز العثماني والقيود الثقيلة التي حالت دون تقدم الشعوب على طريق التنمية، تلك القيود المتمثلة بالنظامين السياسي والإقتصادي المستوردين من مراكز الرأسمالية الإمبريالية. لكن على هؤلاء القوميين بالمقابل أن يعترفوا بأن التحاق اقتصادهم " القومي " باقتصاد المتروبول الرأسمالي الإمبريالي لم يكن خياراً بأي معنى من المعاني. لقد كان حتمية لا مناص منها فرضتها خاصية العالمية لنظام الإنتاج الرأسمالي (universality) وهو أول نظام إنتاج عالمي ترتب على البشرية أن تأخذ به في مسار تطورها. على القوميين أن يعترفوا بأنهم هم أنفسهم ليسوا إلا من نتاج النظام الرأسمالي العالمي، كما أن طموحاتهم بحدودها القصوى لا تتجاوز آفاق الرأسمالية المعروفة. بل أكثر من ذلك، إذ يمكن القول أن ثورة التحرر الوطني بكل مفرداتها مستوردة في الأصل من خارج الوطن. وبالمثل فإن الثورة الإشتراكية في أطراف الإمبريالية لا بد وأن تستورد من خارج الوطن ومن خارج المجتمع.

قومنة الماركسية...

رد عديد نصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار:

رغم موافقتي علىكامل التحليل النظري للدكتور فؤاد النمري و الذي جاء في المقالتين المنشورتين له في موقع إيلاف تحت عنوان "قومنة الماركسية"، و بعد دراسة متأنية، تبين أنّ هناك بعض الأسئلة التي لا بدّ من مناقشتها و إيجاد الإجابات الشافية لها حتى تنسجم الصورة النظرية مع الواقع المعاش في منطقتنا العربية في مطلع القرن الواحد و العشرين.
صحيح أنّ صيرورة الأحداث المتوالية في دول الأطراف و منها و خاصة المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين تؤكد الالتحاق الكامل ليس فقط للأنظمة السياسية و إنما أيضا للمجتمعات إقتصاديا و حتى ثقافيا بالمركز الرأسمالي الذي يكاد ينحصر اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية دون سواها من المراكز الرأسمالية،
و حيث يتجلى يوما بعد يوم أن أساليب العولمة الرأسمالية المبتكرة في تفتييت العالم لكي يسهل عليها ابتلاعه لا تعرف أي محرمات، فمن اقتلاع البشر إلى استيطان البدائل إلى تدمير البنى الثقافية و الحضارية التاريخية التي توحد المجتمعات - التي ما وحدها إلا القمع و البنى الثقافية و البنى الاقتصادية الهشة - ( إحراق مكتبة بغداد و تمير و نهب المتاحف العراقية أول ما قام به الاحتلال الأمريكي للعراق من أجل إفساح المجال للثقافات الفئوية التي انتشرت كما النار في الهشيم: عشرات المحطات الفضائة الشيعية و السنية و التركمانية و الكردية و السومرية و الأشورية و .....) إلى إثارة الفتن العرقية و الطائفية و المذهبية ... و تحويل المجتمعات بأكملها إلى وقود للمشروع الأمريكو- صهيوني الدافع لآلية العولمة الرأسمالية ، إلى إثارة الحروب الإقليمية و التوسع في الاجتياحات الأمريكية و وضع اليد مباشرة على إمكانيات الشعوب و نهبها أمام أعينهم و أعين المراكز الرأسمالية الأخرى التي تتحول يوما بعد يوم إلى مراكز تابعة.
أمام كل هذا، فإننا علينا أن نجيب بكل وضوح و استنادا إلى قراءتنا الماركسية لهذا الواقع عن الأسئلة التالية:
كلنا يعلم ما تعانيه الحركة الشيوعية و الماركسية من وهن و تراجع على مستوى المراكز الرأسمالية، في الوقت الذي تصعد إلى واجهة قيادة الرأسمالية قوى أيديولوجية شديدة العدوانية اتخذت طابع الهجوم الواسع على بلدان الأطراف بحجج محاربة الارهاب و نشر الديمقراطية بالقوة و تحقيق الأمن العالمي من خلال منع انتشار أسلحة دمار شامل مزعومة، و تراجع دور البروليتاريا هناك نظرا للتغير البنيوي الذي فرضته ثورات تقنية متتالية في عالم الانتاج و وسائله،
و مما لا شك فيه أن المجتمعات المتضررة أفدح الضرر من العدوانية الأمريكو- صهيونية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يحصل لها، و ستهب للمقاومة على الطريقة الفلسطينية و اللبنانية و العراقية مع الاختلاف في التفاصيل من مكان إلى مكان و من زمان إلى زمان، رغم أهمية هذه التفاصيل، و خاصة المتعلقة بالقوى المتصدرة لهذه المقاومات و الأيديولوجيات التي تعتنقها،
و علينا أن لا نتوقع من هذه الشعوب أن تنتظر عمال العالم في المراكز الرأسمالية كي يتوحدوا و يعلنوا ثورتهم الاشتراكية و يصدروها لشعوب الأطراف، في الوقت الذي يعانون ما لا يحتمل. بل علينا أن نتوقع ، و في ظل انهزام الثورة الوطنية، و انكفاء الثورة الاشتراكية ، و تراجع الأفكار الثورية و تفتت مواقعها، علينا أن نتوقع من هذه المجتمعات المغزوّة في عقر تاريخها و ثقافتها و أرضها و عقائدها أن تنبش من مخزونها ما يساعدها على أن تتوحد ، أو تنقسم، في صراعها المستميت ، ليس من أجل ممانعة في وجه نظام اقتصادي أو ثقافي أو سياسي ربما كانت لتتبناها جميعا لو وصلتها بطرق أخرى، بل لتقاوم عمليات إفنائها الفيزيائي قبل الثقافي و الاقتصادي و السياسي.
و مع علمنا المسبق أننا، في الوطن العربي قبل أي مكان من مناطق الأطراف في مرحلة العولمة الرأسمالية، سنكون وقود هذه المرحلة، فإنّ ذلك لا يعفينا من مسؤوليتنا الكبرى أمام هذا السؤال الكبير: ما هو دورنا، نحن الماركسيين؟ و ما هي علا قتنا بهذه المقاومة؟ خاصة عندما يقودها من تسميهم " القوى الظلامية المتسربلة بأردية الألوهية و بطقوس طواطمها".
إن النسيج الاجتماعي في بلاد الشام كان ما قبل سايكس- بيكو و لا يزال حتى اليوم، برغم مرور تسعة عقود على تقسيم البلاد إلى أربعة كيانات ، نسيجا متماسكا ما استطاعت، لا قوى الاستعمار الرأسمالي و لا الكيانات التي استجدت، فك عراه.
فماذا نقول لسكان بلاد الشام الذين يطمحون إلى شكل من أشكال الوحدة التي يمنعها عليهم جور الحكام و من ورائهم المراكز الرأسمالية؟ هل نقول لهم ممنوع عليكم الوحدة لأنكم لا تشكلون حلقة اقتصادية كاملة؟
و إذا كنا نعتقد أنّ البلدان التابعة لن تستطيع أن تنجز الثورة الاشتراكية بنفسها بل سوف " تستوردها" من المركز، و إذا كان دور الأحزاب الشيوعية في الأطراف لا يتجاوز مهمة فك الارتباط مع المركز الرأسمالي لإضعافه و تسهيل مهمة الثورة الإشتراكية فيه، فما هي الآلية التي ينبغي تحريكها في سبيل ولوج هذا الباب عندما تتصدر قوى الدين المواجهة مع الهجمة الأمريكية؟
في جميع الأحوال، إذا كنا نريد أن نساير مجرى التاريخ ، بالطريقة التي نراها، كماركسيين، في طريق تطوره، هل يتيح لنا هذا، أن ننحاز إلى العدوانية الفجة التي يكشف عنها المشروع الأمريكو- صهيوني في المنطقة و نجد له الذرائع و المبررات، أو على الأقل ننتحي جانباً دون أن نتدخل و نقول أنها ليست معركتنا، فالتاريخ قد حسم الخيارات جميعا ! و يا أيها الناس اقبلوا بمصائركم !
إننا ماركسيون، و بخلاف الرأسماليين، نحن أصحاب قيم إنسانية، نحن نحب الحياة و ندافع عنها، و إذا أنعمنا النظر في مجريات الأمور، فإن العولمة الإمبريالية- الصهيونية لن تترك لا للغرب و لا للشرق و لا للحياة مكانا على الأرض إذا ما تركت تعبث بإمكانيات الشعوب و بمصائر الأمم.